محمود محمود الغراب

84

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

ورابطة بين العاشق والمعشوق ، حتى التف به على الاختصاص دون غيره ، فإنه يراه في عينه أجمل ممن هو أجمل منه في علمه ، ولذا يكون العاشق تحت سلطان المعشوق وإن كان عبده ، فينتقل الحكم على السيد للعبد إذا كان معشوقا له ، فيكون تحت أمره ، فيتخيل أنه يراه أعظم عنده من نفسه ، وأن سعادته في عبوديته وذلته بين يديه ، مع أنه يحب الرياسة بالطبع ، فإن العشق قد يكون روحانيا ، فرده إلى ما تقتضيه حقيقة الروح ، وأن الروح لا رياسة عنده في نفسه ، ولا يقبل الوصف بها ، فإن العشق منه روحاني وطبيعي ، لوجوده من الحيوانات والنبات ، فإذا كان العشق من الإنسان لجارية أو غلام يفنى فيه ، ولا يستفرغ مثل هذا الاستفراغ في حب من ليس بإنسان ، من ذهب وفضة وعقار وغير ذلك ، فالإنسان إذا ما عشق من العالم أي شيء كان ، من فرس أو دار أو دينار أو درهم ، فما قابله إلا بالجزء المناسب ، ففني منه ذلك الجزء المناسب لعشقه فيه ، وبقي سائره صاحيا لا حكم له فيه ، إلا إذا عشق شخصا مثله من جارية أو غلام ، فإنه يقابله بكله ، كذلك العبد إذا رأى الحق أو تخيله فني فيه عند مشاهدته ، لأنه على صورته فيقابله بذاته ، فما بقي فيه جزء يصحو حتى يعقل به ما فني منه فيه ، فيستفرغ المحب في محبة الحق وحده دون ما ذكرناه ، فإن الإنسان إذا أحب اللّه تعالى فمن حيث روحه وطبعه ، ولو أن الحب الطبيعي لا يليق أن يتعلق من المحب بالجناب الإلهي ، ولكن هو من صورة الجمع بين الضدين ، ومن حيث التجلي الإلهي المقيد في الصور الطبيعية ، فلا يستغرق الحب المحب كله إلا إذا كان محبوبه الحق تعالى ، أو أحدا من جنسه من جارية أو غلام ، أما ما عدا ما ذكرته فإنه لا يستغرق حبه إياه ، وإنما قلنا ذلك لأن الإنسان لا يقابل بذاته كلها إلا من هو على صورته إذا أحبه ، فما فيه جزء إلا وفيه ما يماثله ، فلا يبقى فيه فضلة يصحو بها جملة واحدة ، فيهيم ظاهره في ظاهره وباطنه في باطنه ، ألا ترى الحق قد تسمى بالظاهر والباطن ، فتستغرق الإنسان المحبة في الحق وفي أشكاله ، وليس ذلك فيما سوى الجنس من العالم ، فإنه إذا أحب صورة من العالم إنما يستقبله بالجزء المناسب ، ويبقى ما بقي من ذاته صاحية في شغلها ، وأما استغراق حبه إذا أحب اللّه ، فلكونه على صورته كما ورد في الخبر ، فيستقبل الحضرة الإلهية بذاته كلها ، ولهذا تظهر فيه جميع الأسماء الإلهية ، ويتخلق بها من ليست عنده صفة الحب ، وبكونها ( أي من باب كنت سمعه ) من عنده صفة الحب ، فلهذا يستغرق الإنسان الحب ، وإذا تعلق باللّه وكان اللّه